الوصف
استكشاف أعماق التاريخ: مدينة كايماكلي تحت الأرض، نوشهير، تركيا
تقع في قلب كابادوكيا، إحدى أكثر مناطق تركيا سحرًا، عالمٌ خفيّ تحت سطح الأرض: مدينة كايماكلي تحت الأرض (Kaymaklı Underground City – Kaymaklı Yeraltı Şehri). ويُعد هذا المجمع المذهل تحت الأرض، الواقع في محافظة نوشهير، شاهدًا على براعة الحضارات القديمة وقدرتها على الصمود. إن زيارة كايماكلي ليست مجرد عودة إلى الماضي، بل رحلة عميقة إلى أسرار التاريخ والجغرافيا الطبيعية وبقاء الإنسان.
لمحة من الماضي
تعود أصول مدينة كايماكلي تحت الأرض إلى القرنين الثامن والسابع قبل الميلاد، في زمن الفريجيين أو ربما قبل ذلك. غير أنّ العصر البيزنطي، ولا سيما منذ العهد البيزنطي، وخصوصًا منذ القرن الخامس الميلادي فصاعدًا، هو الذي شهد توسع المدينة لتصبح ملجأً متعدد المستويات. وقد كانت ملاذًا للمسيحيين الأوائل الفارين من الاضطهاد الديني، وهجمات العرب، ثم مختلف الغزوات خلال العصور الوسطى.
وقد أتاح صخر كابادوكيا البركاني الفريد، اللين والقابل للنحت، لسكانها القدماء حفر شبكات واسعة من الأنفاق والغرف في باطن الأرض. ومع مرور الوقت، تحولت هذه المدن تحت الأرض إلى ما هو أكثر من مجرد ملاجئ، بل إلى مجتمعات نابضة بالحياة. ويُعتقد أن كايماكلي كانت تؤوي في وقتٍ ما حتى 3500 شخص، مع أحياء سكنية ومطابخ ومخازن للنبيذ وغرف للتخزين، وحتى أماكن دينية.
العمارة والتخطيط
تُعد كايماكلي أكبر مدينة تحت الأرض في كابادوكيا من حيث المساحة السطحية. ومن بين مستوياتها الثمانية، فإن أربعة منها مفتوحة حاليًا للزوار. أما المستويات المتبقية فما زالت غير متاحة إمّا لأسباب تتعلق بالسلامة أو بسبب أعمال التنقيب والحفظ المستمرة.
إن التجول في كايماكلي يشبه الدخول إلى متاهة قديمة. فالممرات الضيقة، والسلالم شديدة الانحدار، والأبواب المخفية بذكاء تربط بين الغرف التي كانت تؤدي وظائف متعددة. وقد صُممت البنية بشكل معقد عمدًا، في ترتيب استراتيجي يربك المتسللين ويحمي السكان. وكانت الأبواب الحجرية الضخمةتدور لتُغلق مكانها فتسد أقسامًا كاملة، لتوفر ملاذات آمنة أثناء الحصارات.
وقد خُصص كل مستوى لوظيفة مختلفة:
-
المستوى الأول: المدخل، والإسطبلات، والمناطق العامة.
-
المستوى الثاني: أماكن السكن والمطابخ، وفيها أفران قديمة ومجاري تهوية للدخان.
-
المستوى الثالث: الكنائس والكنائس الصغيرة، وهي دليل على الإرث المسيحي للمدينة.
-
المستوى الرابع: غرف التخزين، ومعاصر النبيذ، وأنفاق الاتصال.
وتُعد جودة الهواء تحت الأرض جيدة على نحو يثير الدهشة، بفضل نظام متقن منأعمدة التهوية، يمتد بعضها إلى أكثر من 70 مترًا في العمق. كما ضمنت آبار المياه المنحوتة بعمق في الصخر إمدادًا موثوقًا بالمياه.
الحياة اليومية تحت الأرض
على الرغم من اختفائها عن أعين العالم، فإن الحياة في كايماكلي لم تكن ساكنة قط. فقد كان سكان هذا الملاذ تحت الأرض يمارسون معظم أنشطة الحياة اليومية كما لو كانوا فوق سطح الأرض. وكانت هناك أماكن لإعداد الطعام، وحفظ الماشية، وحتى للالتقاء الاجتماعي.
ولا تزال المطابخ تحمل آثار السخام من النيران القديمة. أما معاصر النبيذ فتضم أخاديد منحوتة في الأرض لسحق العنب، وكانت غرف التخزين ممتلئة بالحبوب والفواكه المجففة والأدوات. كما تشير الجداريات والمذابح في الكنائس إلى حضور ديني قوي وحياة مجتمعية نشطة.
ومن اللافت أن المدينة كانت مجهزة للإقامة طويلة الأمد. ففي أوقات الهجوم، كان الناس قادرين على العيش تحت الأرض لعدة أشهر متواصلة. ويعكس هذا التصميم المكتفي ذاتيًا مقدار رؤية البنّائين المستقبلية وقدرتهم على التكيف.
تجربة الزائر
اليوم تُعدّ كايماكلي (Kaymaklı Underground City – Kaymaklı Yeraltı Şehri) أحد أكثر المواقع زيارةً في كابادوكيا، إذ تجذب آلاف السياح سنويًا. وبصفتها جزءًا منموقع التراث العالمي لليونسكو المعروف باسم متنزه غوريمه الوطني ومواقع كابادوكيا الصخرية، فهي تحمل أهمية ثقافية وتاريخية كبيرة.
يمكن للزوار استكشاف المستويات المفتوحة عبر أنفاق ضيقة، وبعضها لا يتسع إلا بعرض كتفين تقريبًا، لذا ينبغي لمن يعانون من رهاب الأماكن المغلقة توخي الحذر. كما تتطلب الأسقف المنخفضة الانحناء المتكرر، ويُوصى بارتداء أحذية متينة بسبب الأسطح غير المستوية.
تتوفر عند المدخل جولات بصحبة مرشدين، تقدم معلومات عن تاريخ الموقع وعماره وأساطيره. كما يمكن القيام بجولة ذاتية، بفضل اللافتات الإرشادية الواضحة والإضاءة التي تساعد على التنقل في الممرات المتشابكة.
المعالم القريبة
على الرغم من أن كايماكلي تظل من أبرز المواقع في كابادوكيا، فإنها ليست سوى واحدة من عجائب كثيرة في المنطقة. وغالبًا ما يضم الزوار زيارتهم إلى:
-
مدينة ديرينكويو تحت الأرض: مدينة تحت الأرض واسعة أخرى تقع في الجوار.
-
متحف غوريمه المفتوح: مجموعة رائعة من الكنائس والأديرة المنحوتة في الصخر.
-
قلعة أوتش حصار: تكوين صخري طبيعي يوفّر إطلالات بانورامية.
-
رحلات المنطاد: تجربة كابادوكيا الأصيلة عند شروق الشمس.
-
أفانوس وأورغوب: بلدتان ساحرتان تشتهران بالفخار والنبيذ والثقافة التركية التقليدية.
الأهمية الثقافية
كايماكلي ليست مجرد موقع سياحي، بل هي رمز لـصمود الإنسان والابتكار. وهي تعكس كيف تكيف الناس مع بيئتهم ومع التهديدات السياسية أو العسكرية عبر القرون. أما بالنسبة إلى تركيا الحديثة، فهي تمثل فصلًا أساسيًا في قصة الأناضول، وجسرًا بين الشرق والغرب.
إن الحفاظ عليه ومواصلة دراسته أمران حيويان للبحث التاريخي والسياحة الثقافية على حد سواء. وقد اتخذت السلطات التركية والهيئات الدولية خطوات لضمان صونه، إدراكًا لهشاشة هذه الأعجوبة العتيقة.
نصائح للزائر
-
كيفية الوصولتقع كايماكلي (Kaymaklı Underground City – Kaymaklı Yeraltı Şehri) على بُعد نحو 20 كم جنوب مركز مدينة نوشهير. ويمكن الوصول إليها بسهولة بالسيارة أو بسيارة الأجرة أو ضمن الجولات المحلية.
-
أفضل وقت للزيارةيوفر الربيع والخريف (من أبريل إلى يونيو ومن سبتمبر إلى أكتوبر) أفضل أجواء الزيارة. وقد تكون فصول الصيف حارة، بينما قد تحدّ الثلوج الشتوية من سهولة الوصول.
-
رسوم الدخولاعتبارًا من عام 2025، تتراوح رسوم الدخول في حدود 300 إلى 350 ليرة تركية. وقد تشملها بطاقةMuseum Pass Cappadocia.
-
المدةخصّص من ساعة إلى ساعتين لجولة مريحة.
-
إمكانية الوصولغير مناسب للكراسي المتحركة بسبب الممرات الضيقة والسلالم الشديدة الانحدار.
الخاتمة
إن زيارة مدينة كايماكلي تحت الأرض (Kaymaklı Underground City – Kaymaklı Yeraltı Şehri) تجربة عميقة تُحيي التاريخ بطريقة غير متوقعة — تحت سطح الأرض. إنها رحلة إلى صمود الروح البشرية وإبداع المجتمعات القديمة. وسواء كنت من عشاق التاريخ أو الآثار أو من المسافرين الفضوليين، فإن كايماكلي تعدك بمغامرة لا تُنسى في واحدة من أروع الحضارات تحت الأرض في العالم.
الموقع
-
Cami Kebir Mahallesi yeraltı şehri Belediye Caddesi, 50760 Nevşehir